العدالة الناجزة. والاكتفاء عند الاقتضاء
المحامي :د. أحمد الصقيه
لن نفتأ نردد القول بأن العدالة موضوعاً لا تنفكّ عن العدالة إجراءً، ولا عجب أن تجد الوسائل المفضلة لحل النزاعات مثل الوساطة والتحكيم والتوفيق رواجاً بين المتقاضين الذين يقدّرون أهمية سرعة الإجراءات ومرونتها بما يعود إلى السرعة في الفصل في الخصومة، بالمقارنة بجهات التقاضي الأخرى.
ومراكز التحكيم ومؤسسات المصالحة والتوفيق تكتسب تلك «الجاذبية» كونها تحكم النزاعات التي يوافق الأطراف على نظر المركز للنزاع فيها بمدد محددة ومواعيد دقيقة لجميع الإجراءات المرتبطة بنظرها، وترتكن إلى قوانين ولوائح آمرة تسهم في السير في موضوع الدعوى بمرونة ممزوجة بالسرعة، من دون أن تغيب عنها الغاية العظمى وهي تحقيق العدالة.
وتكامل الاجتهاد في الوصول إلى الحقيقة والفصل في الخصومة مع سرعة الإجراءات هما ما يحقق العدالة الناجزة، وهو عين الغاية المنشودة لكل المتقاضين.
وأكّدت الدراسات المتخصصة في الشأن القضائي محلياً ودولياً أن أطول مرحلة من مراحل التقاضي ونظر النزاع هي مرحلة المرافعة وتبادل المذكرات والدفوع بين أطراف الدعوى، ولذلك فإن اختصار هذه المرحلة عبر إسناد مهمة تنسيق تبادل المذكرات لأمانة سر المحكمة أو مساعدي القاضي يسهم في اختصار وقتٍ طويل وجهد كبير يقوم به المترافعون حتى يقرروا اكتفاءهم، ومن ثم يأتي دور المحكمة لمناقشة الأطراف وسماع الشهود والاستئناس برأي الخبير ومن ثم المداولة وإصدار الحكم.
وعلى رغم أن العدالة الناجزة هي الغاية العظمى، فإن هذه السرعة والمرونة يجب ألا تتعارض مع دقة المحتوى وسلامة الإجراءات، وتمكين كل الأطراف من ضمانات العدالة القضائية التي تمنحهم الحقوق الشرعية والنظامية بين يدي القضاء.
وكشفت تجربتي الشخصية في التحكيم في عدد من النزاعات أن تحديد مدد دقيقة لتقديم كل ما لديهم من مذكراتٍ ودفوع ومن ثم قفل باب المرافعة وحجز القضية للحكم من أنجع الوسائل لحسم مادة التسويف والاستمهالات التي تقع في غير محلها من أطراف النزاع، على رغم أن قاعدة «الاكتفاء عند الاقتضاء» لا تزال غائبة لدى كثير من المحامين، وهي أن يقرر الأصيل أو الوكيل اكتفاءه إذا غلب على ظنه كفاية ما قدم من مذكرات من دون أن يطلب الاستمهال للرد على ما لا يستحق.


